البداية   |    المكتبة    |    المؤلفون    |    المشروع    |    أكتب لنا

 

تحديث الموقع : السبت 19 نيسان (أبريل) 2014 في 18: 19

 
 




   
رحلة ابن جبير

الموضوع العام :

العلوم الإنسانية
 

المؤلف :

ابن جبير

الموضوع الجزئي :

 

العصر :

04. عصر تأسيس الدول في المغرب : (788ـ 1236)

:: المشاهد الدنيوية الحفيلة

ومن أحفل المشاهد الدنيوية المريبة بروز شاهدناه يوم الأربعاء ثاني يوم وصولنا الموصل للخاتونين: أم عز الدين صاحب الموصل، وبنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها، فخرج الناس على بكرة أبيهم ركباناً ومشاة، وخرج النساء كذلك، وأكثرهن راكبات، وقد اجتمع منهن عسكر جرار.

وخرج امير البلد للقاء والدته مع زعماء دولته. فدخل الحاج المواصلة صحبة خاتونهم على احتفال وأبهة قد جللوا اعناق ابلهم بالحرير الملون، وقلدوها القلائد المزوقة.

ودخلت خاتون المسعودية تقود عسكر جواريها وأمامها عسكر رجالها يطوفون بها، وقد جللت قبتها كلها سبائك ذهب مصوغة أهلة ودنانير سعة الأكف وسلاسل وتماثيل بديعة الصفات، فلا تكاد تبين من القبة موضعاً، ومطيتاها تزحفان بها زحفاً، وصخب ذلك الحلي يسد المسامع، ومطاياها مجللة الأعناق بالذهب، ومراكب جواريها كذلك؛ مجموع ذلك الذهب لايحصى تقديره. وكان مشهداً أبهت الأبصار، وأحدث الاعتبار، وكل ملك يفنى الا ملك الواحد القهار، لاشريك له.

وأخبرنا غير واحد من الثقات، ممن يعرف حال خاتون هذه، وأنها موصوفة بالعبادة والخير، مؤثرة لأفعال البر. فمنها أنها أنفقت في طريقها هذا الحجاز، في صدقات ونفقات في السبيل، مالاً عظيماً، وهي تحب الصالحين والصالحات تزمورهم متنكرة رغبة في دعائهم. وشأنها عجيب كله على شبابها وانغماسها في نعيم الملك. والله يهدي من يشاء من عباده.

وفي عشي اليوم الرابع من المقام بهذه البلدة، وهو يوم الجمعة السادس والعشرين لصفر المذكور، ورحلنا منها على دواب أشتريناها بالموصل تفادياً من معاملة الجمالين، على أن القدر المحمود لم يسبب لنا الا صحبة الأشبه منهم، ومن شكرناه على طول الصحبة، وتماديها من مكة، شرفها الله، الموصلن فأسرينا ليلة السبت بعيد نصف الليل ثم نزلنا بقرية من قرى الموصل، ورحلنا منها ضحوة يوم السبت المذكور، وقلنا بقرية تعرف بعين الرصد، وكان مقيلنا تحت جسر معقود على واد يتحدر فيه الماء، وكان مقيلا مباركاً. وفي تلك القرية خان كبير جيد. وفي محلات الطريق كلها خانات. واتفق مبيتنا تلك الليلة بالقرية المذكورة، واسرينا منهاواصبحنا يوم الاحد بقرية تعرف بالمويلحة، وأسرينا منها وبتنا بقرية كبيرة تعرف بجدال لها حصن عتيق. وفي يومنا هذا رأينا، عن يمين الطريق، جبل الجودي المذكور في كتاب الله تع الذي استوت عليه سفينة نوح، عليه السلام، وهو جبل عال مستطيل. ثم رحلنا في السحر الأعلى من يوم الاثنين التاسع والعشرين لصفر، فكان مبيتنا في قرية من قرى نصيبين، ومنها اليها مرحلة، ويعرف الموضع المذكور بالكلاي.

شهر ربيع الأول من سنة ثمانين

استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة الثاني عشر من يونيه، ونحن بالقرية المذكورة، فرحلنا منا سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور.

مدينة نصيبين أبقاها الله

شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب، وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة بين الكبر والصغر، يمتد أمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر، قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه، وتطرد في نواحيه، وتحف بها عن يمين وشمال لساتين ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، ينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار، والحدائق تنتظم بحافتيه، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فرحم الله أبا نواس الحسن بن هانئ حيث يقول: طابت نصيبين لي يوماً فطبت لها ياليت حظي من الدنيا نصيبين فخارجها رياضي الشمائل، أندلسي الخمائل، يرف غضارة ونضارة، ويتألق عليه رونق الحضارة، وداخلها شعت البادية باد عليه، فلا مطمح للبصر اليه، لاتجد العين فيه فسحة مجال، ولا مسحة جمال. وهذا النهر ينسرب اليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها، تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء، فيتفرق على شوارعها ويلج في بعض ديارها ويصل جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه، وينصب في صهريجين: أحدهما وسط الصحن، والآخر عند الباب الشرقي منه، ويفضي سقايتين حول الجامع.

وعلى النهر المذكور جسر معقود من ضم الحجارة يتصل بباب المدينة القبلي. وفيها مدرستان ومارستانواحد، وصاحبها معين الدين أخو عز الدين صاحب الموصل، ابنا أتابك. ولمعين الدين أيضاً مدينة سنجار، وهي عن يمين الطريق الموصل.

ويسكن في احدى الزوايا الجوفية من جامعها المكرم الشيخ أبو اليقظان الأسود الجسد الأبيض الكبد، أحد الأولياء الذين نور الله بصائرهم بالإيمان، وجعلهم من الباقيات الصالحات في الزمان، الشهير المقامات، الموصوف بالكرامات، نضو التبتل والزهادة، ومن أخلقت جدته العبادة، قد اكتفى بنسج يده، ولا يدخر من قوت يومه الثلاثاءأسعدنا الله بلقائه، وأصحبنا من بركة دعائه عشي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول، فحمدنا الله عز وجل على أن من علينا برؤيته، وشرفنا بمصافحته، والله ينفعنا بدعائه، انه سميع مجيب، لا اله سواه.

فكان نزولنا بها في هان خارجها، وبتنا بها ليلة الأربعاء الثاني من ربيع الأول. ورحلنا صبيحته في قافلة كبيرة من البغال والحمير: حرانيين وحلبيين وسواهم من أهل البلاد، بلاد بكر وما يليها، وتركنا حاج هذه الجهات وراء ظهورنا على الجمال، فتمادى سيرنا أول الظهر، ونحن على اهبة وحذر من إغارة الأكراد الذين هم آفة هذه الجهات من الموصل نصيبين مدينة دنيصر يقطعون السبيل ويسعون فساداً في الأرض، وسكناهم في جبال منيعة على قرب من هذه البلاد المذكورة، ولم يعن الله سلاطينها على قمعهم وكف عاديتهم، فهم ربما وصلوا في بعض الأحيان باب نصيبينن ولا دافع لهم ولا مانع الا الله، عز وجل . فقلنا يوم الأربعاء المذكور، ورأينا ذلك اليوم، عن يمين طريقنا، بقرب من صفح الجبل، مدينة دارى العتيقة، وهي بيضاء كبيرة، لها قلعة مشرفة. ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين، وهي في صفح جبل في قنته لها قلعة كبيرة هي من قلاع الدنيا الشهيرة، وكلتا المدينتين معمورة.

مدينة دنيصر

هي في بسيط من الأرض فسيح، وحولها بساتين الرياحين والخضر، تسقى بالسواقي، وهي مائلة الطبع البادية، ولا سور لها، وهي مشحونة بشراً، ولها الأسواق الحفيلة، والأرزاق الواسعة، وهي مخطر لأهل بلاد الشام وديار بكر وآمد وبلاد الروم التي تلي طاعة الأمير مسعود وما يليها، ولها المحرث الواسع، ولها مرافق كثيرة. فكان نزولنا مع القافلة ببراح ظاهرها، وأصبحنا يوم الخميس الثالث لربيع الأول بها مريحين، وخارجها مدرسة جديدة بقية البناء فيها، ويتصل بها حمام، والبساتين حولها، فهي مدرسة جيدة بقية البناء فيها، ويتصل بها حمام، والبساتين حولها، فهي مدرسة ومأنسة. وصاحب هذه البلدة قطب الدين، وهو أيضاً صاحب مدينة دارى ومدينة ماردينة ماردين ورأس العين، وهو قريب لابني أتابك.

وهذه البلدة لسلاطين شتى كملوك طوائف الأندلس، كلهم قد تحلى مجلية تنسب الدين، فلا تسمع الا القاباً هائلة، وصفات لذي التحصيل غير طائلة، قد تساوي فيها السوقة والملوك، واشتراك فيها الغني والصعلوك، ليس فيهم من اتسم بسمة به تليق، أو اتصف بصفة هو بها خليق، الا صلاح الدين صاحب الشام وديار مصر والحجاز واليمن، المشتهر الفضل والعدل، فهذا اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، وماسوى ذلك في سواه فزعازع ريح، وشهادات يردها التجريح، ودعوى نسبة للدين برحت به أي تبريح!

ألقاب مملكة في غير موضعهـا *** كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

ونرجع حديث المراحل، قربها الله: فكان مقامنا بدنيصر أن صلينا الجمعة، وهو اليوم الرابع لربيع ( الأول)، تلوم أهل القافلة بها لشهود سوقها، لأن بها يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد بعدها سوق حفيلة، يجتمع لها أهل هذه الجهات المجاورة لها والقرى المتصلة بها، لأن الطريق كلها يميناً وشمالاً قرى متصلة وخانات مشيدة، ويسمون هذه السوق المجتمع اليها من الجهات البازار، وأيام كل سوق معلومة.

ورحلنا إثر صلاة الجمعة فاجتزنا على قرية كبيرة لها حصن تعرف بتل العقاب، هي للنصارى المعاهدين الذميين، ذكرتنا هذه القرية بقرى الأندلس حسناً ونضارة، تحفا البساتين والكروم وأنواع الأشجار، وينسرب بإزائها نهر ترف الظلال عليه، وخطها متسع، والبساتين قد انتظمته، وشاهدنا بها من الخنانيص أمثال الغنم كثرة وأنساً بأهلها. ثم وصلنا عشي النهار قرية أخرى تعرف بالجسر، هي الآن لناس من المعاهدين، وهم فرقة من فرق الروم، فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور، ثم أسحرنا منها ووصلنا مدينة راس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.


سابق

 

موجز عن الكتاب

 

تالي


 

 

   

خريطة الموقع    -    إخلاء مسؤولية    -    حقوق النشر